محمود ماضي
147
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
أما أن ذهاب الرسول إلى الغار كان للتصييف ، فقد تولى الرد عليه علماء أفاضل « 1 » ، أما رده تحنث الرسول إلى أثر يهودي مسيحي ، وإلى تقليد الرهبان ، فإنه يلقى بها وهو يريد ما يعدها ، يريد أن يقول : من الناحية الاجتماعية ، فإن محمدا كان مخالطا لليهود والنصارى ، خاصة رهبانهم لدرجة تأثره بالرهبنة ، والعزلة ، والانقطاع للعبادة ، ففعل مثلما فعلوا . وإذا كان بدء الوحي كان أثناء عزلة محمد ، ولم يكن خاوى الوفاض ، وإنما كان يحمل الفكر اليهودي المسيحي ، فجاء الوحي - أي القرآن - ممزوجا بهذا الفكر . أضف إلى هذه الافتراءات افتراء آخر المستشرق يهودي يدعى « جويتين » . وضع هذا المستشرق كتابين للنيل من الإسلام ونبي الإسلام ، الأول تحت عنوان « دراسات في تاريخ الإسلام ونظمه . . » الثاني تحت عنوان : JEWSandArabsThro uhtages يقول : « نستطيع أن نتصور أن منشأ ادعاء نظرية الوحي عند محمد ، هو خواطره عن دوره الخاص في الإطار العام لهداية البشرية بطريق رسول اللّه ، وبينما كان يستمع إلى مواعظ المبشرين وقصص الأجانب خلد ببال محمد شعور قوى بأنه مطالب بتبليغ رسالة اللّه إلى عشيرته الأقربين ، كما بعثت رسل آخرون إلى أقوام عربية أخرى من قبله . وبدأ محمد إمعان النظر في الصحائف المكتوبة التي كان يحملها الأحبار والرهبان المتجولون في جزيرة العرب والتي تحتوى على أجزاء من الكتب السماوية . . . وكانت تلك الصحائف مكتوبة بلغة أجنبية . . . وفي أثناء تأمله في هذا الشأن استقر فيه الاعتقاد « بأن رسالة اللّه لا بد أن تنزل عليه دون غيره يوما من الأيام ، في نسخة عربية . وبطريقة الاستماع إلى المبشرين من مختلف الملل والطوائف أدرك أن أصول الأديان كلها واحدة لأنها منزلة من رب واحد ، وبالتالي أكد محمد مرارا أن الرسالة التي تبلغ بطريقة إنما هي نفس الرسالات التي أنزلت من قبل » « 2 » . واستدل جويتين على مزاعمه ببعض آيات من القرآن ، ظن أنها تسعفه وقد ساق كلامه دون دليل ، أي دليل ، من هذه الآيات قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 ) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ( 196 ) أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 197 )
--> ( 1 ) - أنظر الدكتور جعفر شيخ إدريس في بحثه القيم المنشور في ( مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية ط . 1405 م ) . ( 2 ) - س . د جويتين : دراسات في تاريخ الإسلام ونظمه . نقلا عن : د . محيي الدين الألوائى : النبوة المحمدية ومفتريات المستشرقين ص 45 ، 46 . ط أولى 1400 ه - 1980 م .